الشيخ محمد علي طه الدرة
515
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً إِنَّما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ ناراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً انطلق من كان عنده يتيم ، فعزل طعامه من طعامه ، وشرابه من شرابه ، واعتزل الأوصياء اليتامى ، ومخالطتهم ، والاهتمام بشؤونهم تحرّجا من الإثم ، فشقّ ذلك على الأوصياء ، واليتامى ، فذكروا ذلك للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فنزلت هذه الآية ، فخلطوا طعامهم بطعام اليتامى ، وشرابهم بشرابهم . قُلْ : الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم : إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ أي : مخالطتهم ، ومداخلتهم لإصلاح أحوالهم ، وإصلاح أموالهم بالحفظ ، والتنمية خير من مجانبتهم . وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ أي : إذا خلطتم أموالهم بأموالكم على وجه المصلحة لهم ؛ فهم إخوانكم في الدين ، وأخوّة الدين أقوى من أخوة النّسب ، ومن حقوق هذه الأخوة المخالطة بالإصلاح ، والنفع . وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ : وعد ، ووعيد ، فالوعيد لمن يفسد في مال اليتيم ، ويضرّ بمصالحه ، والوعد لمن يقوم بتربية اليتيم ، وحفظ ماله ، والاهتمام بشأنه . والعلم يقتضي المجازاة على الإفساد ، والإصلاح . وبالجملة : اللّه تعالى أعلم وأدرى بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة ، والإفساد لأموالهم ، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح ، فيجازي كلّا بعمله . وبين المفسد ، والمصلح طباق ، وهو من المحسّنات البديعية . وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ : أي : لو شاء تعالى لأوقعكم في الحرج ، والمشقّة ، وشدّد عليكم ، ولكنّه يسّر عليكم الدّين ، وسهّله رحمة بكم . والعنت هنا : المشقة ، والتضييق . إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ : غالب على أمره ، قويّ لا يقهره أحد . حَكِيمٌ : في صنعه يضع الأمور مواضعها لحكمة يعلمها . وقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ لا يحسن مكانه غفور رحيم . وانظر الآية رقم [ 209 ] . الإعراب : وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ : تقدّم إعراب مثل هذه الكلمات إفرادا ، وجملة . إِصْلاحٌ : مبتدأ ، وهو نكرة سوغ الابتداء به وصفه بالجار والمجرور : لَهُمْ ، أو بعمله فيهما ؛ إن علقتهما به ؛ لأنه مصدر . خَيْرٌ : خبر المبتدأ ، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول ، والجملة الفعلية : قُلْ إِصْلاحٌ . . . إلخ مستأنفة لا محل لها . وَإِنْ : الواو : حرف عطف . ( إِنْ ) : حرف شرط جازم . تُخالِطُوهُمْ : فعل مضارع فعل الشرط مجزوم ، وعلامة جزمه حذف النون ؛ لأنه من الأفعال الخمسة ، والواو فاعله ، والهاء مفعول به ، والجملة الفعلية لا محل لها ؛ لأنها ابتدائية ، ويقال : لأنها جملة شرط غير ظرفي . فَإِخْوانُكُمْ : الفاء : واقعة في جواب الشرط . ( إخوانكم ) : خبر لمبتدأ محذوف ، التقدير : فهم إخوانكم ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط عند الجمهور ، والدسوقي يقول : لا محل لها ؛ لأنها لم تحلّ محل المفرد ، و ( إن ) ومدخولها كلام معطوف على ما قبله ، فهو في محل نصب مقول القول مثله .